محمد جواد مغنية
18
التفسير الكاشف
هذا تنزيل الكتاب ، ومن اللَّه متعلق بتنزيل . لآيات اسم ان وفي السماوات والأرض خبرها وآيات مبتدأ مؤخر . وفي خلقكم خبر مقدم وما يبث عطف على خلقكم . واختلاف الليل والنهار أي في اختلاف الليل والنهار خبر مقدم وآيات لقوم مبتدأ مؤخر . تلك آيات اللَّه مبتدأ وخبر . المعنى : ( حم ) تقدم مثله في أول سورة البقرة ( تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) . المراد بالكتاب القرآن ، وكله من أوله إلى آخره وحي من اللَّه ، لا من سواه ، وقال صاحب روح البيان : ان وصف اللَّه بالعزيز هنا يشعر بأن القرآن معجزة تقهر كل من يتحداها ، وان وصفه بالحكيم يومئ إلى أن القرآن يشتمل على حكم بالغة نافعة . . . وليس من شك ان القرآن أعجز ويعجز كل من يعارضه ، وانه ينبوع الحكمة ومصدرها . ثم أشار سبحانه إلى الدلائل الحسية الناطقة بوجوده وعظمته ، منها : ( إِنَّ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ) أي لمن يريد ان يؤمن بالحق لأنه حق ، والمراد بالآيات هنا ما يستنتجه العقل من نظام الكون وسيره على سنن لا تحويل فيها ولا تبديل ، ولولا ثباتها واستمرارها لما أمكن رصدها وقياسها والاستفادة منها ، وبالتالي لم يكن لعلم الفلك وما يتصل به عين ولا أثر ( وفِي خَلْقِكُمْ وما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) . من أراد علم اليقين بوجود اللَّه فليفكر ويتأمل في نفسه وفي أي حي من الأحياء ، فهل يجد في واحد منها عضوا من أعضائه لا وظيفة له ، أو غريزة من غرائزه لا حكمة لها ؟ ويدل هذا دلالة قاطعة على الإرادة والتصميم ، وإذا لم نر المصمم بالحس فقد رأينا آثاره رأي العين ، وعليه يكون أيماننا بالغيب مستندا إلى الحس والمشاهدة . ( واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ) . أشار سبحانه في كتابه مرات إلى اختلاف الليل والنهار لينبه العقول إلى السر العجيب في دورة الأرض لأنها السبب الموجب لمجيء الليل بعد النهار ، ومجئ النهار بعد الليل ، ومهما قيل ويقال عن أسباب دورة الأرض حول نفسها أو حول الشمس فإن هذه الأسباب وغيرها من الأسباب